سيد محمد طنطاوي
157
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - * ( لِتَحْسَبُوه مِنَ الْكِتابِ وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ) * بيان للدوافع السيئة التي دفعتهم إلى ارتكاب هذا التحريف الذميم . والضمير المنصوب في قوله * ( لِتَحْسَبُوه ) * وكذلك ضمير الغائب * ( هُوَ ) * : يعودان إلى الكلام المحرف الذي لووا به ألسنتهم والمدلول عليه بقوله * ( يَلْوُونَ ) * . أي إن من هؤلاء اليهود فريقا يلوون ألسنتهم في نطقهم بالكتاب ويحرفونه عن وجهه الصحيح ، لتظنوا أيها المسلمون أن هذا المحرف الذي لووا به ألسنتهم من كتاب اللَّه الذي أنزله على أنبيائه ، والحق بأن هذا المحرف ليس من كتاب اللَّه في شيء ، وإنما هو من عند أنفسهم نطقوا به زورا وبهتانا إرضاء لأهوائهم . وقوله * ( مِنَ الْكِتابِ ) * هو المفعول الثاني لقوله * ( لِتَحْسَبُوه ) * . والمخاطب بقوله * ( لِتَحْسَبُوه ) * هم المسلمون وقال * ( وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ) * بتكرار لفظ الكتاب ، ولم يقل وما هو منه ، للتنبيه على أن كتاب اللَّه المنزل على موسى وعيسى - عليهما السلام - برئ كل البراءة من تحريفهم وتبديلهم ، ومما يزعمونه ويفترونه عليه . ثم بين - سبحانه - أنهم قد بلغت بهم الجرأة في الكذب والافتراء أنهم نسبوا هذا الذي حرفوه وغيروه من كتبهم إلى اللَّه - تعالى - فقال : * ( ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه وما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه . ويَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * . أي أن هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب ليوهموا غيرهم بأن هذا المحرف من الكتاب ، لا يكتفون بهذا التحريف ، بل يقولون * ( هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * أي هذا المحرف هو نزل من عند اللَّه هكذا ، لم ننقص منه حرفا ولم نزد عليه حرفا ، والحق أن هذا المحرف ليس من عند اللَّه ولكنهم قوم ضالون يقولون على اللَّه الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون . ففي هذه الجملة الكريمة بيان لإصرارهم على الباطل ، ولتعمدهم الكذب على اللَّه ، وتوبيخ لهم على هذا الافتراء العجيب . وقد أكد اللَّه جرأتهم في النطق بالزور والبهتان بمؤكدات منها : أن كذبهم لم يكن تعريضا وإنما كان في غاية الصراحة ، فهم يقولون عن المحرف * ( هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ، وما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * . وأن كذبهم لم يكن على البشر فحسب وإنما على اللَّه الذي خلقهم والذي يعلم ما يسرون وما يعلنون * ( ويَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ ) * . وأن كذبهم لم يكن عن جهل أو عن نسيان وإنما عن علم وإصرار على هذا الكذب ، وهذا ما يشهد به قوله - تعالى - * ( وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * .